*الباحث في الاقتصاد السياسي* أحمد بهجة ✍️ جريدة البناء* بعنوان: أمواج ترامب تتكسّر على صخور الواقع!*

عاجل

الفئة

shadow
*الباحث في الاقتصاد السياسي أحمد بهجة كتب في جريدة البناء ✍️

درجت العادة في الولايات المتحدة الأميركية، وفي الغرب عموماً،
أن يتمّ تقييم أداء الإدارات والأفراد في القطاعين العام والخاص بعد مضيّ مئة يوم على تسلّم المهام، 
وهي عادة بدأت تجد طريقها إلى منطقتنا وإلى الشرق عموماً...
وقد شارفت الأيام المئة الأولى من عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب (في ولايته الثانية) على الانتهاء في 30 نيسان الحالي (بعد غد الأربعاء).
ماذا حصل في هذه الفترة القصيرة نسبياً، لأنّ عمر الولاية الرئاسية هو أربع سنوات، 
وهل أعطى ترامب المؤشرات المطلوبة بالنسبة لعموم الأميركيين الذين ينتظرون أن يتلمّسوا نتائج ما وعد به في حملته الانتخابية؟
تشكو الغالبية الكبرى من الأميركيين من الأوضاع الاقتصادية السيئة في الولايات المتحدة، والتي تزداد سوءاً مع الأيام، خاصة منذ مرحلة كورونا وما تسبّبت به خسائر ونتائج سلبية على دورة العمل والإنتاج، وهي نتائج لا تزال آثارها تتفاعل إلى يومنا هذا.
افتتح ترامب ولايته بحرب شاملة على معظم اقتصادات العالم، 
من خلال رفع الرسوم الجمركية بنسب عالية جداً على كلّ السلع الواردة إلى الولايات المتحدة، وقد تعاملت الإدارة الأميركية بالسلبية ذاتها مع الحلفاء والخصوم على حدّ سواء...
لكن أمواج ترامب العالية سرعان ما تكسّرت على صخور الواقع،
واضطر للتراجع أولاً أمام أوروبا، ثم أمام الصين (وهنا بيت القصيد) إذ كان هدفه الرئيسي أن يعيد الصناعات الأميركية المهاجرة إلى داخل الولايات المتحدة، لكن نظرة سريعة على هذا الأمر تدلّ إلى أنه هدف غير واقعي، ولنأخذ هنا مثالاً عن شركة "آبل" التي تنتج الـ "آيفون" في مصانعها في الصين، حيث يُكلّفها المهندس الصيني نحو 3 آلاف دولار شهرياً بما في ذلك كلّ التقديمات التي يريدها الموظف في مجالات الطبابة والتعليم والسكن وغيرها، بينما في حال تمّت إعادة المصنع إلى الولايات المتحدة فإنّ الوظيفة نفسها سوف يشغلها مهندس أميركي براتب لا يقلّ عن ثلاثين ألف دولار، أيّ بكلفة تفوق عشرة أضعاف راتب المهندس الصيني في الصين،
أيّ أنّ هاتف "آيفون" المنتج في أميركا تحتاج حمايته من المنافسة الخارجية إلى رسوم جمركية لا تقلّ عن ألف بالمئة! وهذا طبعاً أمر غير واقعي،
وهو ما أنزل ترامب عن الشجرة وأجبره على التراجع عن قراراته، 
أو على الأقلّ البدء بالتراجع عنها.
وما ينطبق على ملفّ الرسوم الجمركية ينطبق على غيره من الملفات التي كانت فيها مواقف ترامب عالية السقوف، 
لكنه اضطرّ أيضاً إلى التراجع والتنازل والتسليم بأنّ الولايات المتحدة هي دولة قوية بين أقوياء،
وقد ولّى سريعاً الزمن الذي تمّ فيه الترويج لـ "نهاية التاريخ" بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والاعتقاد بأنّ الولايات المتحدة أصبحت هي القطب الأوحد الذي يحكم العالم.
لقد تراجع ترامب أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي لم يعد بعيداً عن هندسة النصر في الحرب الأوكرانية التي اجتمعت ضدّه فيها كلّ دول حلف الأطلسي ومَن معها من حلفاء،
لكن "القيصر" بوتين تفوّق عليهم جميعاً بحنكته المعروفة واستناده إلى مصادر قوة داخلية في بلاده وإلى حلفاء أوفياء وأقوياء، خاصة الصين وإيران.
ولم يكتفِ ترامب بـ "بهدلة" الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي في البيت الأبيض،
بل ها هو يطرح إنهاء حرب أوكرانيا بالاستسلام لروسيا والاعتراف لها بشبه جزيرة القرم وغيرها من المناطق التي استعادتها إلى السيادة الروسية،
إضافة إلى عدم إدخال أوكرانيا في حلف الأطلسي الأمر الذي اعتبرته روسيا أنه يمثل تهديداً كبيراً لأمنها القومي والاستراتيجي.
كما تراجع ترامب أمام إيران، 
فبعد التهديد والوعيد عاد إلى طاولة المفاوضات واستجاب لمطالب طهران بأن لا تكون المفاوضات مباشرة، 
وأن لا تشمل أيّ موضوع أو ملف غير الملف النووي ورفع العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، 
وها هي المفاوضات تنجز جولتها الثالثة بشكل يقول عنه الطرفان إنه إيجابي، ما يعني أنّ قيام ترامب في ولايته الأولى عام 2018 بإلغاء الاتفاق الذي توصلت إليه إدارة سلفه باراك أوباما مع إيران عام 2015 لم يكن تصرّفاً حكيماً ولم يقدّم لأميركا وشعبها أيّ مكسب على الإطلاق.
واللافت في هذا السياق كانت طريقة تصرف ترامب مع رئيس حكومة العدو "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض حين عامَله كما عامَل زيلنسكي
وفاجأه بأنّ المفاوضات مع إيران سيتمّ استئنافها رغم كلّ التحفظات "الإسرائيلية" على هذا الأمر.
ولن يمضي وقت طويل حتى نرى كيف سيجد ترامب مخرجاً للتراجع أمام اليمن الذي يُصرّ بقيادته وشعبه رغم كلّ شيء على الانتصار لغزة وفلسطين وشعبها والتأكيد على أولوية رفع الحصار ،
وإدخال المواد الغذائية والطبية والإغاثية حتى يفتح البحر الأحمر أما السفن التي لها علاقة بالعدو الصهيوني.
في الخلاصة لم ولن يجد ترامب مفراً من التراجع عن طريقته الفجة في التعاطي السياسي على المستوى الدولي،
خاصة مع الدول التي تحترم نفسها وتحترم شعوبها ولا ترضى بالمهانة مهما كانت التضحيات، 
لأنّ العزّة والكرامة لا ثمن لهما على الإطلاق، ولا يمكن عرضهما في سوق النخاسة كما يفعل بعض الذين يبحثون عن المكاسب والمناصب المؤقتة الزائلة عما قريب...

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة